المسعودي

37

مروج الذهب ومعادن الجوهر

من أمره ، وانتضاه فاستحسنه ، وتكلم كل واحد منا بما يحب ، وجعله تحت ثني فراشه ، فلما كان من الغداة قال للفتح : اطلب لي غلاماً تثق بنجدته وشجاعته أدفع له هذا السيف ليكون واقفاً به على رأسي لا يفارقني في كل يوم ما دمت جالساً ، قال : فلم يستتم الكلام حتى أقبل باغر التركي فقال الفتح : يا أمير المؤمنين ، هذا باغر التركي قد وصف لي بالشجاعة والبسالة ، وهو يصلح لما أراد أمير المؤمنين ، فدعا به المتوكل ، فدفع إليه السيف ، وأمره بما أراد ، وتقدم أن يزاد في مرتبته ، وأن يضعف له الرزق ، قال البحتري : فوالله ما انتضى ذلك السيف ولا خرج من غمده من الوقت الذي دفع إليه إلا في الليلة التي ضربه فيها باغر بذلك السيف قال البحتري : لقد رأيت من المتوكل في الليلة التي قتل فيها عجباً ، وذلك أننا تذاكرنا أمر الكِبْرِ ، وما كانت تستعمله الملوك من الجبرية ، فجعلنا نخوض في ذلك وهو يتبرأ منه ، ثم حول وجهه إلى القبلة فسجد وعفر وجهه بالتراب خضوعاً لله عز وجل ، ثم أخذ من ذلك التراب فنثره في لحيته ورأسه ، وقال : إنما أنا عبد الله ، وإن من صار إلى التراب لحقيق أن يتواضع ولا يتكبر ، قال البحتري : فتطيرت له من ذلك ، وأنكرت ما فعله من نثره التراب على رأسه ولحيته ، ثم قعد للشراب ، فلما عمل فيه غنى من حضره من المغنين صوتاً استحسنه ، ثم التفت إلى الفتح فقال : يا فتح ؟ ما بقي أحد سمع هذا الصوت من مخارق غيري وغيرك ، ثم أقبل على البكاء ، قال البحتري : فتطيرت من بكائه ، وقلت : هذه ثانية ، فإنا في ذلك إذ أقبل خادم من خدم قبيحة ومعه منديل وفيه خلعة وجهت بها إليه قبيحة ، فقال له الرسول : يا أمير المؤمنين تقول لك قبيحة : إني استعملت هذه الخلعة لأمير المؤمنين واستحسنتها ووجهت بها لتلبسها ، قال : فإذا فيه دراعة حمراء لم أر مثلها قط ، ومُطْرَف خز أحمر كأنه دبيقي من رقته ، قال : فلبس الخلعة والتَحَفَ بالمطرف ( 1 ) ، قال البحتري : فتصيدت لأبدره بنادرة

--> ( 1 ) في نسخة : والتحف المطرف .